الشنقيطي

239

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أودع في الجمادات القدرة على الإدراك والنطق ، والمراد بإخبارها أنها تخبر عن أعمال كل إنسان عليها في حال حياته . ومما يشهد لهذا المعنى حديث المؤذن « لا يسمع صوته حجر ولا مدر إلا وشهد له يوم القيامة » « 1 » ، وذكر ابن جرير وجها آخر ، وهو أن إخبارها هو ما أخرجته من أثقالها بوحي اللّه لها والأول أظهر لأنه يثبت معنى جديدا . ويشهد له الحديث الصحيح . قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ 7 - 8 ] . في هاتين الآيتين مبحثان أحدهما في معنى من لعمومه ، والآخر في صيغة يعمل . أما الأول فهو مطروق في جميع كتب التفسير على حد قولهم : من للعموم المسلم والكافر ، مع أن الكافر لا يرى من عمل الخير شيئا ، لقوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] ، وفي حق المسلم ، قد لا يرى كل ما عمل من شر ، لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] . وقد بحث الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه هذه المسألة بتوسع في دفع إيهام الاضطراب بما يغني عن إيراده . أما المبحث الثاني فلم أر من تناوله بالبحث ، وهو في صيغة يعمل ، لأنها صيغة مضارع ، وهي للحال والاستقبال . والمقام في هذا السياق يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً [ الزلزلة : 6 ] ، وهو يوم البعث ، وليس هناك مجال للعمل ، وكان مقتضى السياق أن يقال : فمن عمل مثقال ذرة خيرا يره . ولكن الصيغة هنا صيغة مضارع ، والمقام ليس مقام عمل ، ولكن في السياق ما يدل على أن المراد يعمل مثقال ذرة أي من الصنفين ما كان من قبل ذلك ، لقوله تعالى يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ [ الزلزلة : 6 ] ، فهم إنما

--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثامن .